ابن قيم الجوزية

177

مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين

وأما على أصول الجبرية ، نفاة التعليل والحكم والأسباب ، واقتضائها للثواب والعقاب : فالأمر مردود عندهم إلى محض المشيئة ، من غير اعتبار شيء من ذلك ، ولا يدرى عندهم ما يفعل اللّه ، بل يجوز عندهم أن يعاقب صاحب الحسنات الراجحة ، ويثيب صاحب السيئات الراجحة ، وأن يدخل الرجلين النار مع استوائهما في العمل . وأحدهما في الدرك تحت الآخر . ويغفر لزيد ويعاقب عمرا ، مع استوائهما من جميع الوجوه . وينعّم من لم يطعه قط . ويعذب من لم يعصه قط . فليس عندهم سبب ولا حكمة ، ولا علة ، ولا موازنة ، ولا إحباط ، ولا تدافع بين الحسنات والسيئات . والخوف على المحسن والمسئ واحد . إذ من الجائز تعذيبهما . وكل مقدور له فجائز عليه ، لا يعلم امتناعه إلا بإخبار الرسول : أنه لا يكون . فيمتنع وقوعه لمطابقة خبره لعلم اللّه عزّ وجلّ بعد وقوعه . هل يعود الذنب إذا رجع إليه بعد التوبة منه واحتج الفريق الآخر - وهم القائلون بأنه لا يعود إليه إثم الذنب الذي تاب منه بنقض التوبة - بأن ذلك الإثم قد ارتفع بالتوبة ، وصار بمنزلة ما لم يعمله ، وكأنه لم يكن ، فلا يعود إليه بعد ذلك ، وإنما العائد إثم المستأنف لا الماضي . قالوا : ولا يشترط في صحة التوبة العصمة إلى الممات ، بل إذا ندم وأقلع وعزم على الترك : محي عنه إثم الذنب بمجرد ذلك . فإذا استأنفه استأنف إثمه . قالوا : فليس هذا كالكفر الذي يحبط الأعمال ، فإن الكفر له شأن آخر ، ولهذا يحبط جميع الحسنات . ومعاودة الذنب لا تحبط ما تقدمه من الحسنات . قالوا : والتوبة من أكبر الحسنات . فلو أبطلتها معاودة الذنب : لأبطلت غيرها من الحسنات . وهذا باطل قطعا . وهو يشبه مذهب الخوارج المكفرين بالذنب . والمعتزلة المخلّدين في النار بالكبيرة ، التي تقدمها الألوف من الحسنات . فإن الفريقين متفقان على خلود أرباب الكبائر في النار ، ولكن الخوارج كفّروهم ، والمعتزلة فسّقوهم . وكلا المذهبين باطل في دين الإسلام . مخالف للمنقول والمعقول وموجب العدل إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضاعِفْها وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْراً عَظِيماً ( 40 ) [ النّساء : 40 ] . قالوا : وقد ذكر الإمام أحمد في مسنده مرفوعا إلى النبي صلى اللّه عليه وسلم : « إن اللّه يحب العبد المفتن التواب » . قلت : وهو الذي كلما فتن بالذنب تاب منه . فلو كانت معاودته تبطل توبته لما كان محبوبا للربّ ، ولكان ذلك أدعى إلى مقته . قالوا : وقد علق اللّه سبحانه قبول التوبة بالاستغفار ، وعدم الإصرار ، دون المعاودة . فقال تعالى : وَالَّذِينَ إِذا فَعَلُوا فاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلى ما فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ ( 135 ) [ آل عمران : 135 ] والإصرار : عقد القلب على ارتكاب الذنب متى ظفر به . فهذا الذي يمنع مغفرته .

--> - رجحان التزكية التي يسلم بها المؤمن من العذاب البتة إلا اللّه تعالى . وبهذا يجمع بين الآيات الكثيرة في الجزاء والعمل والوزن . ولكن لبطلان العمل علامات يعرفها الذي يحاسب نفسه .